الشيخ محمد اليعقوبي
79
سيرة الأئمة الإثني عشر (ع)
وازدادت غربته حينما فَقَد خُلّص أصحابه العارفين بفضله وسابقته إلى كل كمال حيث استشهد كثير منهم في صفين فكان عليه السلام يرتقي منبر مسجد الكوفة ويندبهم أشجى ندبة ويصفهم أجمل وصف فيقول عليه السلام : « ما ضرّ إخواننا الذي سُفكت دماؤهم - وهم بصفين - ألّا يكونوا اليوم أحياءً ؟ يسيغون الغصص ويشربون الرنق ! قد - والله - لقوا الله فوفّاهم أجورهم ، وأحلّهم دار الأمن بعد خوفهم أين إخواني الذين ركبوا الطريق ومضوا على الحق ؟ أين عمار ؟ وأين ابن التيهان ؟ وأين ذو الشهادتين ؟ وأين نظراؤهم من إخوانهم الذين تعاقدوا على المنية وابرد برؤوسهم إلى الفجرة ( ثم ضرب بيده على لحيته الكريمة فأطال البكاء ثم قال ) أوّهِ على إخواني الذين تلوا القرآن فأحكموه ، وتدبّروا الفرض فأقاموه ، أحيوا السنة وأماتوا البدعة ، دُعُوا للجهاد فأجابوا ، ووثقوا بالقائد فاتبعوه » « 1 » . وكان عليه السلام كثيراَ ما يتمنى الموت للتخلص من مجاورة اللئام والذهاب إلى صحبة الكرام الأحبة محمد وأهل بيته ( صلوات الله عليهم أجمعين ) وأصحابه المنتجبين ، ومن كلماته في ذلك « لوَددتُ أن الله فرّق بيني وبينكم ، وألحقني بمن هو أحقّ بي منكم » « 2 » لأنه يرى نفسه يعيش وسط حثالة لا يذكرون إلا بالذم قال عليه السلام « أين أخياركم وصلحاؤكم وأين أحراركم وسمحاؤكم ! وأين المتورعون في مكاسبهم . والمتنزّهون في مذاهبهم ؛ أليس قد ظعنوا جميعاً عن هذه الدنيا الدنية ، والعاجلة المنغصّة ، وهل خُلفتم إلا في حثالة ، لا تلتقي إلا بذمِّهم الشفتان ، استصغاراً
--> ( 1 ) السابق . ( 2 ) البحار : ج 34 ص 91 .